فوزي آل سيف
73
عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
لكن هذه الخطة لم تنجح من المأمون إذ لم تغير ولاية العهد طريقة معيشة الإمام عليه السلام ولا بدلت في برنامجه فقد كان يأكل الجشب من الطعام ويلبس الغليظ من الثياب حتى لقد عاب عليه بعض الصوفية ما يلبس ظاهرا فأبان لهم أنه إنما يلبس هذا في الظاهر للبعد عن التظاهر بالتقشف ويلبس الخشن في الباطن تواضعا لله. وقد ذكروا في أحواله صورا عجيبة من الزهد منها أنه اشتهى ذات يوم كبدًا مشوية - وهي مما يستطيعه أغلب الناس - فجاؤوا بها إليه فلما شم رائحتها قال: إني والله أحبها ولكن الله قد قال {لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}[183] ارفعوها إلى بيت فلان الفقير ولم يتناول منها شيئًا. وكان يصر على أن يأكل معه الخدم والعبيد والموالي فلا يتميز عليهم في مطعمه أو مشربه، بل ربما كان يقوم على رؤوسهم ليخدمهم! الأمر الذي جر بعض الموظفين في قصر الخلافة أن يلفت نظره إلى أن هذا مخالف للبروتوكول الرسمي في القصر فقال: إن الرب واحد والأب واحد. لقد فشلت هذه الخطة التي رام منها المأمون إسقاط المثال المعصومي من أذهان الناس، وتحطيم جانب القدوة في حياة الأئمة! حيث لم يزدد فيها الإمام إلا فضلا عندهم ومحلا في نفوسهم، وظهر لهم ما كان خافيا من أخلاقه وفضائله. فها هو رجاء بن أبي الضحاك الذي بعثه المأمون لإشخاص الإمام علي الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو خراسان ينقل إليه بإعجاب وإكبار عظيمين ما شاهده من أخلاق الإمام وعبادته وخضوعه لله حتى قال له المأمون: «يا بن أبي الضحاك هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم فلا تخبر أحدا بما شاهدته منه لئلا يظهر فضله إلا على لساني».[184] ومثل ذلك ما قاله ابراهيم بن العباس: «ما رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام جفا أحدا بكلمة قط ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما رد أحدا عن حاجة يقدر عليها ولا مد رجله بين يدي جليس له قط ولا اتّكأ بين يدي جليس قط، ولا رأيته شتم أحدا من مواليه ومماليكه قط ولا رأيته تفل ولا رأيته يقهقه في ضحكة قط بل كان ضحكه التبسم، وإذا خلا ونصب مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب السائس وكان عليه السلام قليل النوم بالليل كثير السهر يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، ويقول ذلك صوم الدهر وكان عليه السلام كثير المعروف والصدقة في السر وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدق».[185] 3/ انتقل المأمون مع فشل الخطة الأولى إلى الثانية؛ وهي التي قال عنها أبو الصلت: جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعًا في أن يقطعه واحدٌ منهم فيسقط محله عند العلماء وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة.
--> 183 آل عمران: 92 184 الصدوق: عيون أخبار الرضا 2/١٩٧ 185 نفس المصدر 198